السيد عباس علي الموسوي

281

شرح نهج البلاغة

16 - ( ولا تسمعوا ناطقها ولا تجيبوا ناعقها ) لا تسمعوا إلى أبناء الدنيا الذين ينطقون بفضلها ويزينونها للناس ولا تستجيبوا إلى من يدعوكم إليها وإلى ما فيها . 17 - ( ولا تستضيئوا بإشراقها ولا تفتنوا بأعلاقها ) لا تنشرحوا وتفرحوا بزينة الدنيا وزخارفها ولا تفتنوا عن الآخرة وتبتعدوا عن اللّه بنفايسها التي تتراى ء لكم وتعجبكم . ( فإن برقها خالب ونطقها كاذب وأموالها محروبة وأعلاقها مسلوبة ) علّل نهيه عن شيم بارقها وما بعده . فإن الإنسان يظن أن زينتها تنفع وتفيد ولكن كل ما فيها سراب لا يبقى ولا يدوم ولا يستقر على حال . وكذلك دعاة الدنيا والداعين إليها فإنهم يكذبون في الدعوة إليها لأنهم يصورونها على خلاف حقيقتها ويرغبون فيها وهي باطلة تغرهم لتوقعهم في أشراكها . . . وكذلك أموالها وما كان يتقاتل عليه الناس كلها سوف تسلب من ملّاكها إما بالحوادث أو الموت . . . وأما نفائسها وما كان يبحث عنه أصحاب المال فإنه سيسلب لا محالة ويتحول ميراثا لغير مالكه . . . ( ألا وهي المتصدية العنون والجامحة الحرون ) وهذه من قبائح الدنيا وسيئات صفاتها إنها تتعرض للناس تدعوهم إلى نفسها كما تدعو المومس الزبائن تريد أن توقعهم في الخطيئة والمعصية . كما أن من طلبها وأرادها لا تنقاد له ولا تطيعه ولا تسلس قيادها لراكبها وهي إذا أرادت أن تقف في قضية أو تتمنّع في أمر لا يستطيع أحد مغالبتها فهي كالدابة الحرون المستعصية . . . ( والمائنة الخئون والجحود الكنود ) لا يزال يذكر صفات الدنيا القبيحة لينفّر الناس عنها فهي كثيرة الكذب على الناس حيث تعطيهم من حلاوتها حتى إذا ذاقوا ذلك واطمأنوا به خانتهم وقلبت لهم ظهر المجن كما أنها تجحد ما يعمله الإنسان فيها من بناء وعمارة وحضارة وتكافؤه بالمنع من مواصلة حياته وتعدل عنه إلى غيره . . . ( والعنود الصدود والحيود الميود ) شبهها بالناقة التي تنفرد عن مرعى الإبل إلى غيره فالدنيا تعدل عن طالبيها وتمنعهم عن مقاربتها وكذلك تصدهم عنها كما أنها تحيد عن درب العاشقين لها وتميل عنهم .